مونتجمرى وات ( تعريب : عبد الرحمن عبد الله شيخ حسين عيسى )
24
محمد ( ص ) في مكة
الغرانيق هذه . فما يوجه من نقد لمونتجمرى وات في هذه الحال ، انما هو في الواقع نقد للطبري . على أية حال ، كما كان وات أصيلا في اختيار مصادره قرانا كريما وأحاديث شريفة وسيرا كان أيضا أصيلا في اختياره للطبري . لماذا ؟ ليس من السهل الإجابة عن هذا السؤال دون استعراض تطور كتب التاريخ الاسلامي العام في المكتبة التراثية العربية ، لبيان أهمية الطبري وأسبقيته . لقد بدأ المؤرخون المسلمون في كتابة التاريخ العام منذ منتصف القرن الثالث للهجرة / التاسع للميلاد . وضمنوا كتبهم تاريخ البشرية عامة بقدر ما كان بين أيديهم من معلومات ، لكن المؤرخ من هؤلاء كان يبدأ بالتركيز على تاريخ الاسلام والمسلمين منذ بداية الدعوة ، مهملا ما سواه على عكس ما كان يفعل عندما كان يؤرخ لفترة ما قبل الاسلام . وكتب التاريخ العام على نوعين : أولهما ما يسلسل الحوادث حسب تعاقب السنين ويسمى عادة بكتب الحوليات . وثانيهما يعرض السلالات الحاكمة أو تاريخ الملوك والدول ، وقد جمع بعضهم بين ذكر الحوادث وذكر التراجم أو الوفيات . وأول أهم مؤلفي التاريخ العام هو أبو حنيفة الدينوري المتوفى 282 ه ، ولم يصلنا من كتبه الا كتاب ( الأخبار الطوال ) ثم ابن قتيبة الدينوري المتوفى 276 ه ، وله كتاب ( عيون الأخبار ) وكتاب ( المعارف ) وهذا الأخير ليس في مجال التاريخ . ثم نصل إلى الطبري ( 224 - 310 ه ) أول مؤلف حول بمعنى الكلمة ، أو على الأقل هو أول مؤرخ حولى يتوافر لدينا كتابه . ولد بمدينة امد عاصمة طبرستان وهي تقع على السواحل الشرقية لبحر قزوين أو بحر الخزر . درس الثقافة الدينية المعتادة قرانا وحديثا وفقها ونبغ فيها كما درس علوم اللغة ، وارتحل لطلب العلم ، وأقام في بغداد مدة طويلة ، وزار مصر ، ثم عاد فاستقر